احمد سامح الخالدي | 2009-03-06
إنها لحظة قاتمة في التاريخ الفلسطيني الحديث. ومع أن لحظات الأمل يندر وجودها منذ بدء الصراع بشأن أرض فلسطين على امتداد مئة عام، إلاّ إن الشعب الفلسطيني يبدو الآن، ومنذ نكبة 1948، في أسوأ أوقاته. أمامنا اليوم حركة وطنية تشرذمها انقسامات أفقية وعمودية متعددة. فعصب هذه الحركة الممثلة تاريخياً بحركة "فتح"، انحل إلى فصائل وشخصيات متنافسة عبر الأجيال والمواقع والاتجاهات السياسية والعقائدية. ومع أن القوى الإسلامية الناشئة، لا تزال متماسكة نسبياً، إلاّ إنها بدأت تشهد انقسامات بين قياداتها المتمركزة في غزة وتلك الموجودة في دمشق. لقد صارت غزة منقطعة بالكامل عن الضفة الغربية والقدس العربية، وأضحت القدس مفصولة عن عمقها في الضفة الغربية التي تقلصت بدورها إلى معاقل محلية منفصمة، حتى إن المناطق (أ) و(ب) و(ج) الوهمية التي أوجدها اتفاق أوسلو فقدت معناها.
إن المناطق المحتلة ككل، بعيدة كل البعد عن الشتات الفلسطيني، القريب منه والبعيد، كما أن منظمة التحرير الفلسطينية تحولت إلى هيكل فارغ يمثل معادلة للمشاركة واهية الصلة بالحقائق السياسية الجديدة على الأرض. أمّا السلطة الفلسطينية، فهي حكومة افتراضية الآن، ومعززة بدفق مساعدات خارجية جارف يبدو كأن هدفه الوحيد تأمين عدم انهيارها بالكامل. علاوة على ذلك، فإن "حماس" والسلطة الفلسطينية لا تستطيعان حتى التحادث، علاوة على إيجاد معادلة عملية للحكم، والأصعب من ذلك، الخروج ببرنامج سياسي مشترك للحرب أو السلم.
إن شرعية السلطة الفلسطينية/منظمة التحرير الفلسطينية وصلاحياتها هي موضع تساؤل داخل فلسطين وخارجها على حد سواء. أمّا قدرتها على التفاوض بنجاح، وعلى توقيع اتفاق مشرف، وإقراره وتنفيذه وتثبيته، فهي موضع شك جدي. ويتوقع كثير من المراقبين المطلعين، بمن فيهم القادة المرموقون في "فتح"، وراثة "حماس" لها في نهاية المطاف، أو انهيارها تحت تأثير الثقل المشترك لضعفها الشامل وفشلها المتواصل في تحقيق إنجازات سياسية أو اقتصادية، أو توفير أمن أساسي في وجه إسرائيل.
إن أزمة القيادة جدية وشاملة. فالقلة الباقية من القيادة الوطنية القديمة التي انبثقت من منظمة التحرير الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي، وصلت إلى نهاية حدودها البيولوجية، أمّا القادة المحليون الأحدث فقد هلك معظمهم في الهجمات الإسرائيلية والاغتيالات، أو إنهم وقعوا في الأسر. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن لا شخصيات ناشئة لديها النفوذ الباعث على الثقة أو التصميم أو الجاذبية الطبيعية لتبوُّؤ القيادة. إن الشرعية الوطنية للقيادة الحالية آخذة في التلاشي، كما أن خزان تجديد الطبقة السياسية الفلسطينية، يبدو كأنه نضب بشكل خطر. باختصار يبدو المشهد قاتماً بالفعل.
كيف وصلنا إلى هذا الحد؟ كيف انتهت الحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت ذات يوم نابضة بالحياة والنشاط – على الرغم من انقساماتها – إلى هذا الحضيض التاريخي؟
مما لا شك فيه أن التأثيرات المتراكمة منذ واحد وأربعين عاماً من الاحتلال الإسرائيلي والاستيطاني ألحقت بها أذى بليغاً. فمنذ سنة 1967، تجاوز عدد قتلى وجرحى الانتفاضتين وحدهما – فضلاً عن المواجهات الأضيق نطاقاً والتي سبقتهما في الأراضي المحتلة – نحو 80.000 فلسطيني، كما سُجلت 700.000 حالة سجن واحتجاز (وهو رقم لا يستهان به إذا أخذنا مجموع سكان الضفة والقطاع الذي لا يتجاوز الأربعة ملايين نسمة)، علاوة على العمليات المحمومة للاستيطان الإسرائيلي والضم الزاحف، والتي زرعت 500.000 مستوطن تقريباً في القدس الشرقية والضفة الغربية. فضلاً عن ذلك، إن إعادة احتلال الضفة الغربية في سنة 2002، وإقامة الجدار الفاصل البالغ 750 كلم قلصتا الحكم الفلسطيني إلى مجموعات من الجزر المنفصمة.
إن مسؤولية الإسرائيليين عن المأزق الفلسطيني لا يرقى إليها الشك، لكن المحن الفلسطينية الحالية لا تعود إلى الاحتلال فقط، فالحقيقة المرة هي أن الحركة الوطنية الفلسطينية برهنت عن هشاشتها وتقلّبها من حيث التمسك بأهدافها. وليس المقصود أبداً، التقليل من تضحيات الشعب الهائلة، بدءاً بالتحركات الأولى في عشرينيات القرن المنصرم، فالثورة الكبرى خلال الفترة 1936 – 1939، ثم الصراع ضد الييشوف والبريطانيين في الأربعينيات، إلى "الثورة" التي أعادتنا، شعباً وقضية، إلى الخريطة بعد سنة 1967. كما أن عشرات الآلاف من المقاتلين الفلسطينيين والمدنيين قضوا في قرى فلسطين وأوديتها، وتلال الأردن الجرداء ومخيمات الفلسطينيين في لبنان.
ومع ذلك، فإن الانحطاط اليوم يجب أن يدفعنا إلى وقفة تأمل. لقد فشلت منظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية في كل اختبار تقريباً، من المفاوضات، ثم الحكم، وبعد ذلك صفتها التمثيلية، وأخيراً هدفها المعلن في التحرير والحرية. فبعد 20 عاماً، لا يزال البرنامج الوطني لسنة 1988، الذي حدد الأهداف المتمثلة في دولة مستقلة ضمن حدود 1967 مع القدس العربية عاصمة لها، وفي حق العودة للاجئي 1948، حلماً وهمياً، بعيداً عن التحقق اليوم كما كان في ذلك الوقت. هذا الانحدار الشديد يمكن أن يعزى إلى عدد من العوامل التي يلام عليها الفلسطينيون أنفسهم.
انحسار الحركة الفلسطينية
لا داعي هنا إلى الجدال في الجذور التاريخية للهوية والوعي الوطنيين الفلسطينيين. يكفي القول إن دمار المجتمع الفلسطيني وتشتته بعد نكبة 1948، وجه ضربة هائلة إلى الحركة الوطنية في أثناء تطورها خلال الصراع ضد الصهيونية والانتداب البريطاني منذ الأعوام الأولى من القرن الماضي. فخلال الأعوام الأولى القليلة بعد النكبة كان الفلسطينيون في حالة من الغيبوبة الوطنية، فالحس الفلسطيني بـ "التمايز" تدهور إلى وضع لاجئ "عربي"، أو اندمج في محيطه العربي الأوسع: أبناء الضفة الغربية تحت الحكم الأردني، الغزّيون تحت الحكم المصري، والشتات في شرك من الوجود الهش والمتقلقل، من دون أرض أو دولة. وبعد ذلك، ساد الشعور القومي العربي الأوسع الذي كان مهيمناً في تلك الفترة.
لقد تحول الناشطون والمثقفون إلى حركة القوميين العرب، وإلى عبد الناصر، وحزب البعث، والأحزاب الشيوعية المتنوعة، والحركات المشرقية كالحزب السوري القومي، لكن "فتح" هي التي قادت الثورة ضد هذا الانزلاق نحو الذوبان الوطني، وشكلت مع الحركات اليسارية العقائدية التي انضمت إليها لاحقاً، أداة لصحوة وطنية جديدة أعادت الفلسطينيين إلى الواجهة المحورية في نهايات الستينيات ليصبحوا المدافعين الأساسيين عن قضيتهم.
إن ما ساهمت "فتح" وحركات ما بعد سنة 1967 في بلورته، كان أكثر من حركة وطنية. كان إحساساً متجدداً بالهوية السياسية الفلسطينية، وهو ما حوّل المنظمات المسلحة الصاعدة التي نبتت في الشتات إلى جسر وصل بين الكتل المتفرقة في المنفى وصولاً إلى الأراضي المحتلة. وبتعبير دقيق، تمكنت "فتح" من تشكيل حركة وطنية – قومية شاملة ضمت، بالإضافة إلى غيرها، الطبقة الوسطى في الكويت، ومخيمات اللاجئين في الأردن، والناشطين في غزة والضفة الغربية.
لكن هذه الحركة الوطنية (أو الوطنية – القومية الشاملة) آخذة اليوم في الانحسار، وهذا يعود جزئياً إلى التحدي الإسلامي للتيار الوطني الأساسي، وأيضاً إلى مسارات أُخرى؛ فغزة، التي كانت دائماً مرتبطة ارتباطاً ضعيفاً بالضفة الغربية، بدأت تتشكل كمجال سياسي واقتصادي وعقائدي مستقل. وهذا أمر إذا ما استمر، فإن تضافر الحصار الراهن، وحكم "حماس"، والاستقطاب المصري، ستفاقم ابتعاد غزة عن عمقها في القدس والضفة الغربية، وستباعد أكثر فأكثر المسافة السياسية والمعنوية التي تفصل الآن ثلث الفلسطينيين تقريباً عن إخوتهم في الأراضي المحتلة.
أمّا في الضفة الغربية ذاتها، فإن كلاً من الإجراءات الإسرائيلية الأمنية، وغياب أي قوة أو سلطة سياسية موحدة ومتماسكة وقابلة للحياة، جعل البلدات الكبرى والمناطق جزراً سياسية في حد ذاتها. وقد ترافق ذلك مع انبعاث للهويات والولاءات العائلية والعشائرية والمحلية. فزعيم رام الله اليوم، لا يحظى باعتبار كبير في الخليل، والعكس صحيح. كما أن السياسي النابلسي عليه أن يناضل بجهد لينال اعتراف بيت لحم، بينما يبدو المقدسيون المعزولون وقد أسقطوا حقهم التقليدي في القيادة الوطنية ككل. ومع بهتان حضور السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، عادت عمّان محور استقطاب من جديد.
لقد تميزت السياسة الفلسطينية دائماً بتأثرها بالروابط العائلية والعشائرية والمحلية، وبالانتماءات المناطقية القوية. وليس من قبيل المصادفة أن وقائع التشتت بعد سنة 1948 هي التي سمحت لـ "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية بالنشوء، فضعفت الروابط المناطقية والمحلية، وتغلبت روابط المعاناة المشتركة والمنفى. لكن في السياق الراهن، فإن انقطاع التواصل بين الأراضي المحتلة، والنزاعات المستمرة بين أبناء الشعب الواحد، والانقسامات الداخلية المتفاقمة، وانتشار التشرذم، وعودة الولاءات المحلية إلى الظهور، هي أمور تهدد كلها بتسريع الابتعاد عن الهوية الوطنية الحقة، وبالعودة إلى انتماءات الماضي الأكثر ألفة وجذرية.
إن الملمح الرئيسي للمشهد الفلسطيني السياسي الراهن هو إحساس شعبي عارم بخيبة الأمل من الأفرقاء كلهم على حد سواء. فقلة تؤمن بنجاح المسار التفاوضي الذي لا نهاية له أمام واقع يبدو أنه يرسخ الاحتلال بدلاً من العكس، كما أن الاندفاع الوطني في اتجاه تحقيق حلم الدولة تحول إلى شك عميق لا في تحقق هذا الحلم فحسب، بل فيما إذا كانت الدولة الموعودة، حتى في حال تحققت، ستؤمّن تطلعات الفلسطينيين الأساسية أيضاً. لقد فقد المشروع الوطني برمته ألقه وقوة جذبه.
من السهل سبر تبعات ذلك. فمن دون حس وطني وهوية وطنية قوية، تتهمش الأهداف الوطنية، وتصبح الأولوية للمصالح المحلية والشخصية، وتفقد المؤسسات الوطنية معناها ومبرر الدفاع عنها.
إن انحسار الحركة الوطنية يكشف عن التصدعات الأساسية للمجتمع الفلسطيني والتي فاقمها الاحتلال واستغلها، لكن يجب الاعتراف بأنها متموضعة عميقاً في ثنايا المجتمع ذاته. ويمكن، بالطبع، القول إن هذه التصدعات هي نتيجة الدمار التاريخي الذي ألحقه الأثر التراكمي للعدوان الصهيوني والنكبة بذاتها، أو إنه بعبارة أُخرى، لم يتوفر للفلسطينيين المعاصرين قط فرصة تطوير نظام دولة طبيعي ومستدام خارج سياق الصراع غير المتكافئ ضد أعدائهم القوميين.
لكن من الصعب أيضاً إنكار أن هذه التصدعات تدل على علة أعمق؛ علة تكررت خلال تاريخ نضالنا منذ ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته، وهي أن وعينا الوطني يشكو مشكلات حادة تحول دون إفلاته من الحقائق السياسية والاجتماعية التي من المفترض أنه نشأ منها. وفي المعنى الأوسع، يمكن القول إن هذا الأمر هو أكثر التحديات الأساسية التي تواجه الفلسطينيين اليوم.
أزمة القيادة
مهما تكن الحجج الداعمة لأسلوب ياسر عرفات وطريقة عمله أو الشاجبة لهما، وبغض النظر عن نجاحاته أو إخفاقاته، وعلى الرغم من النقد المزمن لسياساته وممارساته، أجاء ذلك من داخل "فتح" بالذات، أم من الأطياف السياسية الفلسطينية الأوسع، تبقى حقيقة أنه كان لثلاثة عقود قائد الحركة الوطنية في تفرعاتها كلها من دون منازع.
ونشأت صدقية عرفات عن المسار البطيء والشاق الذي اتبعه لبناء هوية، والذي قاده ونحته بذاته إلى حد كبير. فقد رعى مفهوم الفلسطينيين ككيان سياسي مستقل قادر على العمل السياسي المستقل، وعززه بطاقته المميزة وبرؤيته. صحيح أن "فتح"، المظلة الوطنية الكبيرة، لم تكن من صنعه وحده، لكن، من دون اندفاعه وتفانيه، كان من الممكن أن تذبل وهي غضة، كغيرها من الفصائل والمجموعات الصغيرة التي بدأت تظهر تحت ركام النكبة في أواخر خمسينيات القرن الماضي وأوائل ستينياته.
لقد كان أسلوب عرفات، على الدوام، شخصياً بشكل كبير، إذ كان على تواصل مباشر مع كل عضو من قبيلته/شعبه تقريباً. كما أنه أبقى "فتح" متماسكة – إلى حد كبير – ومعها أحلام شعبه العريضة وتطلعاته كلها، يجمعها حسّ مشترك بالنضال، وأفكار سامية، وإن كانت ضبابية، فيما يتعلق بـ "العدالة" و"العودة".
وفي حين ادعت قيادة السلطة الفلسطينية/منظمة التحرير الفلسطينية في البداية أنها تمثل استمراراً ذا صدقية، فإنها اليوم لا تملك إلاّ الشرعية المتراكمة والصدقية اللتين نالهما عرفات وحافظ عليهما حتى موته. أمّا اليوم، فإن قادة السلطة الفلسطينية/منظمة التحرير الفلسطينية يعيشون في شرنقة منفصمة منعزلة تقتصر سلطتها الفعلية على الجزر القليلة التي تحكمها في الضفة الغربية. ومنذ انحلال حكومة الوحدة الوطنية في حزيران/يونيو 2007، وهي تحكم بفعل الأوامر والمراسيم الرئاسية التي تتناقض كلياً مع ادعائها ديمقراطية سلطتها.
علاوة على ذلك، فإن قادة السلطة، مع بعض الاستثناءات، يفتقرون إلى التواصل المباشر مع شعبهم. فهم لم يظهروا اهتماماً بالتفاعل المثمر مع قاعدتهم الشعبية المفترضة، كما أن تفاعلهم السياسي مع الشتات أكثر محدودية، وصورتهم في الخارج مغرقة في سلبيتها تقريباً. أمّا آليات اتخاذ القرار لدى منظمة التحرير الفلسطينية فمتقادمة ولا تعكس الحقائق السياسية الراهنة، وهي تُستخدم حالياً، إلى حد كبير، كوسيلة لتخطي مأزق ما بعد حزيران/يونيو 2007 بالنسبة إلى الحكم والسلطة.
إن أزمة القيادة تتخطى الأراضي المحتلة. فالشتات بدوره يعاني فراغاً قيادياً وخفوتاً في الصوت في المشهد الفلسطيني العام. وقد يكون أحد المؤشرات على مدى تقهقر الحركة الوطنية هو أن الصوت "الخارجي" الوحيد الذي له وزن واعتبار هو صوت زعيم حركة "حماس" خالد مشعل، من دمشق، من دون إغفال حقيقة أن الحركة بالذات والإسلاميين ككل، هم قوة ثانوية نسبياً ضمن المجتمع الفلسطيني، ولا يستطيعون الادعاء أنهم يمثلون المجموع، أكان داخل الأراضي المحتلة أم خارجها.
ومسألة علاج الفراغ في القيادة في المدى القريب إلى المدى المتوسط، مسألة يحوطها الشك. إن اختراقاً درامياً جاداً في المفاوضات مع إسرائيل ومتوافقاً مع تطلعات الشعب الفلسطيني هو وحده الذي يمكنه، نظرياً، أن يحسن مكانة قادة السلطة الفلسطينية الحاليين، مع أن هذا التطلع بعيد المنال.
وباستثناء تطور كهذا، لا يمكن توقع بروز قيادة، أو طبقة قيادية، جديدة، مع أن بعض الإجراءات قد يسهل ذلك (على سبيل المثال، إن إطلاق نحو 10.000 سجين من السجون الإسرائيلية – أو بعض رموزهم القيادية – قد يحيي الحركة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، ويزودها بزخم جديد).
وضمن سياق نضال مستمر للتحرر الوطني، ليست "القيادة" الفلسطينية الأصيلة مسألة سياسات أو حسابات وإحصاءات انتخابية. فالانتخابات على أهميتها، لا توفر إلاّ مقياساً تقريبياً للمزاج العام المتقلب ضمن غياب دولة "طبيعية" واستمرار أهواء الاحتلال.
هناك تأثير متبادل بين أزمة القيادة والانحدار الوطني، فواحدهما يغذي الآخر ويفاقمه بكل وضوح. ومهما يكن الأمر، ومع الضبابية التي يحملها، فلا يوجد، للمرة الأولى منذ صحوة ما بعد النكبة، قائد واحد (أو قيادة) يستطيع حالياً الادعاء بامتلاكه تفويضاً معنوياً حقيقياً للتحدث باسم الشعب بأكمله.
تأكّل مكانة السلطة الفلسطينية
إن الوضع الذي أعاد الاحتلال الإسرائيلي تشكيله بالكامل على حساب الفلسطينيين منذ اجتياح الضفة الغربية في سنة 2002، قوّى الشعور بأن السلطة الفلسطينية تعمل كوكيل لإسرائيل، بدلاً من أداة انتقالية لإنهاء الاحتلال. فبدلاً من الدفاع عن التراب الفلسطيني، يجري اليوم تعزيز القوى الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية تحت إشراف الولايات المتحدة كوسيلة لتوفير الأمن لإسرائيل، وهو ما يعطي الانطباع بأن بقاء السلطة الفلسطينية بالذات يبدو معتمداً على وجود قوات الدفاع الإسرائيلية في الضفة الغربية. بكلمات أُخرى، إن الدور المفترض للسلطة الفلسطينية كوسيلة انتقالية نحو الدولة المستقلة، يبدو الآن كأنه تحول إلى سبب لإدامة الاحتلال. وهذا بالتأكيد ليس الهدف المرتجى لقيادة السلطة الفلسطينية، لكنه صار كذلك نتيجة سياساتها وعلاقاتها بإسرائيل. وفي واقع الحال، قد تكون هذه هي القوة العسكرية الوحيدة في العالم التي يأمل من يقوم بتسليحها وتدريبها بأن تتولى حماية أعداء شعبها.
إن الدعوة إلى دعم بناء المؤسسات وتنفيذ القانون والنظام في مجتمع يتزايد خروجه على النظام وجيهة جداً. فتقهقر الحس الفردي بالأمن نتيجة انتشار عصابات الشوارع المسلحة التي تدّعي "المقاومة" أنتج طلباً حاداً لتحقيق حكم القانون. لكن مهمة السلطة الفلسطينية وقوات الأمن التابعة لها لا يمكن إعادة توجيهها نحو خدمة العدو، ذلك بأن القوات الإسرائيلية ذاتها التي تساعد في تسلح السلطة الفلسطينية، هي التي تقتل الفلسطينيين يومياً في أزقة نابلس وشوارع غزة.
ثمة حاجة إلى نقاش صادق فيما يختص بدور السلطة الفلسطينية وأولوياتها، وخصوصاً نظرتها إلى الأمن القومي.* وما دامت وظيفة السلطة الأساسية – أو النظرة إليها – مسخّرة لخدمة إسرائيل، فإن استعداد الشعب للتضحية من أجل السلطة الفلسطينية سيبقى على الأرجح متدنياً. إن المسألة ليست إعادة تثقيف الشباب الفلسطيني أو تفحّص صفوف العاطلين من العمل لاكتشاف من لديه المؤهلات المطلوبة الخالية من صفات المقاومة، كما أنه يصعب تخيل أوضاع تستطيع فيها قوات "القانون والنظام" قمع المقاومة بدعم شعبي، إلاّ إذا حدث تغير جذري في الوضع على الأرض والأفق السياسي. والتفكير خلاف ذلك هو سوء تفسير لطبيعة النضال الفلسطيني ذاتها.
مقاربة خاطئة
يستند التوجه الأساسي للسلطة الفلسطينية إلى فرضية مضمونها أن اتفاقية الوضع النهائي مع إسرائيل ممكنة انطلاقاً من موقف فلسطيني "عقلاني" فيما يختص بالقضايا الجوهرية، وأن هذا الموقف سيضمن الحصول على تأييد المجتمع الدولي، و"الشرعية الدولية"، وخصوصاً الولايات المتحدة. والفرضية الضمنية الأبعد هي أن توازن القوى يمكن أن يصحح عبر المفاوضات وحدها. لكن أياً من هاتين الفرضيتين ليس بديهياً أو صحيحاً بالضرورة.
إن "الشرعية الدولية" نادراً ما كانت لمصلحة الفلسطينيين. فمظالم وعد بلفور المنصوص في الانتداب البريطاني كانت جزءاً من "الشرعية الدولية"، على غرار المطلب الفلسطيني الراهن في الاستقلال وحق تقرير المصير. ولقد عبّرت خطة التقسيم، في سنة 1947، عن إرادة المجتمع الدولي، إلاّ إنها لم تكن في مصلحة الفلسطينيين.
ليس في هذا، طبعاً، دعوة إلى مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي أو مؤسساته، لكن مما لا شك فيه أن العوامل الحاسمة قلما تتعلق بعدم الانحياز المزعوم وعدالة القانون الدولي، قدر تعلقها بالحقائق الفجة على الأرض.
إن زرع نصف مليون مستوطن إسرائيلي بصورة مستمرة وراء خط هدنة 1949، طوال أربعة عقود، وضد الرغبات الواضحة للمجتمع الدولي، وانتهاكاً لقوانينه المعيارية (بينها معاهدة جنيف)، يشهد على الطريقة التي لُويت بها هذه "الشرعيات" وحُرفت لتلائم توازن القوى.
أضف إلى ذلك التأثير المدمر لتحيّز الولايات المتحدة بالفطرة إلى إسرائيل وتسامحها معها. وقد تجسد ذلك في رسالة بوش التطمينية في نيسان/أبريل2004 لرئيس الوزراء الأسبق شارون، والمتضمنة موافقة واشنطن على ضم أراضٍ فلسطينية، والإلغاء المتغطرس لحق اللاجئين في العودة؛ وبالتالي الحسم المسبق لنتائج المفاوضات ذاتها التي تدعي الولايات المتحدة رعايتها.
ليس المقصود هنا التباكي جرّاء انتهاكات الولايات المتحدة للحقوق الفلسطينية، وإنما القول إن التوجه الراهن للسلطة الفلسطينية يستند إلى افتراض أن الولايات المتحدة هي، أو يمكن أن تكون، صديقاً صريحاً للفلسطينيين، أو في أدنى الأحوال لاعباً غير منحاز وعلى مسافة معقولة من الطرفين في السعي لتسوية مقبولة. هذه الرؤية غير الواقعية وغير القابلة للتحقق لدور واشنطن، دفعت بالسلطة الفلسطينية إلى حضن سياسة أميركية إقليمية أوسع جيّشتها ضد شريحة شعبية واسعة ليست مستعدة لتعويم خط الولايات المتحدة في المنطقة (ولا أعني الإسلاميين وحدهم).
إن حقيقة كون ثلاثة من كبار جنرالات الولايات المتحدة يعملون راهناً لتحديد بنية القوات الأمنية للسلطة الفلسطينية وعقيدتها ومهمتها، أمر لا يريح المدركين لنزوع واشنطن الفطري إلى المغامرة، ولقدرتها المتواصلة على القراءة الخطأ للمزاج الشعبي الفلسطيني والإقليمي. وهذا المسعى إنما يدل على أن دروس هزيمة السلطة الفلسطينية في غزة في سنة 2007 لم تُستوعَب، وأنه لم يتم التخلي عن محاولة إعادة تشكيل السياسات الفلسطينية – حتى لو كان الثمن إثارة صراع أهلي.
ينبغي للسلطة الفلسطينية أن تتعامل مع الولايات المتحدة كما هي، إذ لا مفر من ظل واشنطن المهيمن على الصراع مع إسرائيل والمنطقة ككل، لكن عليها أن تعرف أن تحيز واشنطن الذي تفاقم في إدارة بوش، هو عنصر ثابت في سياسة الولايات المتحدة، وأن خضوع الفلسطينيين للمصالح الأميركية لا يمكنه تغيير هذا الأمر. كما لا يمكن تخيل أي مصلحة للفلسطينيين في الانضمام إلى محور واشنطن، أو إلى حملتها، راهناً أو مستقبلاً، ضد أي فريق، أهلي أو إقليمي.
إن تعامل السلطة الفلسطينية مع إسرائيل مر الطعم بدوره. فلا معنى لإصرارها على شروط مسبقة للتحدث إلى "حماس"، بينما هي تتخلى عنها عندما تتفاوض مع إسرائيل. ولا يليق بالقادة الفلسطينيين تبادل المزاح مع القيادة الإسرائيلية علناً، في الوقت الذي يشنون حملة شعواء ضد أعدائهم المحليين – بغض النظر عمّا اقترفوه.
ليس من المعقول أن تستهدف إسرائيل "المقاومة" ليلاً، بينما تلاحقها السلطة الفلسطينية نهاراً. ولا يُتوقع من السلطة الفلسطينية أن تحمل السلاح في وجه إسرائيل، لكن لا يوجد شعب نال استقلاله عبر الالتزام المسبق بالعمل في خدمة سلامة محتليه ورفاههم. وعلى الفلسطينيين، في سعيهم لطمأنة إسرائيل، أن يجدوا طريقة لمواجهة تطرفها، بالكلمة أو بالفعل، وبما يتجاوز الروتين اللفظي الشاجب للعنف من الأطراف كلها، وإلاّ يكونون كالناطقين الرسميين للأمم المتحدة.
إن توجه السلطة الفلسطينية الخاطئ ليس مسألة منهجية فحسب، بل إنه في جوهر توجهها الاستراتيجي. فالاعتماد الظاهر على حسن نية أميركا وعلى قوة كلمة رئيسها (مثلاً، "الوعد" بالوصول إلى حل الدولتين في نهاية سنة 2008)، والاستعداد للموافقة على مطالب إسرائيل الأمنية، يطرحان تساؤلاً عن الخيط الرفيع الذي يفصل السذاجة السياسية عن سوء الحساب.
لا بد من القول إن الانطباع العام هو أن السلطة الفلسطينية فقدت سندها السياسي، وقررت أن ترمي بنفسها في حضن الولايات المتحدة - إسرائيل من دون خيار آخر أو ملاذ. أمّا الانطباع الآخر فهو أنها لم تضع حدوداً لما يمكن قبوله أو رفضه في المحادثات مع إسرائيل، وأن التساهل والتنازل هما جزء من تسويفها الدستوري (constitutional remit)، ما دامت النتائج تخدم الإبقاء على وجودها الهش. (إن التصريحات العلنية للناطقين البارزين باسم السلطة الفلسطينية، والتي تتحدث عن دولة فلسطينية حتمية "مع سيادة منقوصة"، لا تخدم هذا الهدف).
قد تكون هذه صورة منقوصة ومجحفة بحق موقف السلطة الفلسطينية الحقيقي، لكنها من دون شك جزء من صورتها العامة الآخذة في التأكل وفقدان الصدقية.
إن المحصلة المحضة لكل ما سبق تبدو مغرقة في السلبية. ومع أن البعض من الجانب الإسرائيلي قد يرتاح إلى تحلل الجانب الفلسطيني وضعفه وارتباكه، لكن الحقيقة هي أن الإسرائيليين – على غرار الفلسطينيين – يحتاجون إلى محاور فلسطيني أصيل وفاعل، بالإضافة إلى حل دائم وقابل للتنفيذ.
تركيبة عقابية (A punitive Construct)
إذاً إلى أين نذهب من هنا؟ لقد أصبحت الدولة الفلسطينية اليوم القاسم المشترك في الحلول المطروحة كلها بشأن الصراع العربي – الإسرائيلي. فالمجتمع الدولي يرحب بالمفهوم، والرئيس بوش يعلن بفخر أنها "رؤيته"، كما أن الإسرائيليين تلقفوها متأخرين، وبعد سنوات من الرفض الثابت والممانعة. واليوم، لا يدعم رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، الفكرة فحسب، بل يعلنها أيضاً مصلحة إسرائيلية ضرورية لبقاء إسرائيل: فمن دونها ستختفي الدولة اليهودية تحت وطأة تزايد السكان العرب المطرد في إسرائيل والأراضي المحتلة.
وحقيقة الأمر أن الدولة الفلسطينية، كما تتصورها إسرائيل وكذلك أصدقاؤها، لا يراد منها أن تحقق تطلعات الفلسطينيين بعد ستة عقود من المنفى وأربعة عقود من الاحتلال، بل أن تحل مأزق إسرائيل الذاتي وهي تحاول جاهدة الإفلات من مناطق الاكتظاظ السكاني الفلسطيني بعد سنوات من الاستيطان المنفلت العقال وغير الشرعي في المناطق المحتلة منذ سنة 1967. وما كان يوماً هدفاً وطنياً للفلسطينيين أصبح وسيلة أساسية لخلاص عدوهم التاريخي.
لكن فكرة الدولة في حد ذاتها، هي إضافة حديثة نسبياً لآمال الفلسطينيين. فبينما كان "الاستقلال" من الحكم البريطاني هدف الحركة الوطنية الفلسطينية في ثلاثينيات القرن المنصرم وأربعينياته، كان الدافع الفلسطيني الأساسي بعد نكبة 1948 هو "العودة"؛ بما في ذلك نقض خسارة الأرض العربية والوطن، أكثر منه تجسيد لحق تقرير المصير الكلاسيكي ما بعد الاستعمار من خلال إنشاء دولة.
لم تكن الدولة وبناؤها مدرجين في خطة العودة. ففي الواقع، تم رفض الاقتراحات التجريبية الداعية إلى إنشاء دولة على جزء من فلسطين (على سبيل المثال في الضفة الغربية) باعتبارها انهزامية وخيانة للقضية القومية. وقد سعت "فتح"، ولاحقاً منظمة التحرير الفلسطينية التي سيطرت الأولى عليها في سنة 1969، لإزالة الوضع القائم والجديد بعد سنة 1948، لكن من دون رؤية حقيقية لما يمكن أن يحل محل "الكيان الصهيوني" بعد هزيمته.
لم يكن ذلك بالتأكيد تمرساً في بناء المؤسسات، وحيازة الأرض، وبناء الدولة خلسة كما هي حال الحركة الصهيونية قبل سنة 1948. فقادة "فتح" تحولوا إلى فكرة إقامة دولة على جزء من فلسطين بعد حرب 1973 وليس قبل ذلك. وكان ذلك إلى حد كبير نتيجة القراءة الواقعية لتوازن القوى، واعترافاً بالحدود التي يمكن أن تحققها القوة، أكانت من جانب الدول العربية أم من المقاتلين الفلسطينيين.
ومن دون قناعة عرفات وجهوده المضنية ما كان لحل الدولتين، كما نعرفه اليوم، أن يترسخ في خطاب الحقوق الفلسطينية والدبلوماسية الدولية. لكن "العرض السخي" الذي ينطوي عليه هذا الحل بدده العناد الإسرائيلي، وواقع الاستيطان على الأرض، وسوء إدارة الولايات المتحدة لعملية السلام، وغياب القيادة الفلسطينية التاريخية، والانقسامات العميقة الراهنة بين الفلسطينيين أنفسهم.
إن الدولة الفلسطينية اليوم هي، إلى حد كبير، تركيبة عقابية صممها ألد أعداء الفلسطينيين التاريخيين: إسرائيل، وحليفتها الراسخة الولايات المتحدة. والنية وراء مثل هذه الدولة اليوم هي الحد من تطلعات الفلسطينيين المتعلقة بالأرض، وإجبارهم على التخلي عن حقوقهم المعنوية، وعلى النكث بتاريخهم والخضوع لإملاءات الإسرائيليين في المسائل السيادية الأساسية.
وليس واضحاً أبداً كيف يمكن لدولة مستقلة أن تُبنى على حراب القوة التي تحتلها، أو كيف يمكن أن تنشأ مؤسسات للدولة قابلة للحياة، بينما يستمر الاحتلال في التحكم في أوجه الحياة الفلسطينية كافة. إن فكرة الدولة فرع من فروع النضال الفلسطيني لا عقدته. وقد أصبحت جاذبيتها أدنى مما كانت عليه في أي وقت مضى، وخصوصاً حين يطالبنا إيهود أولمرت وتسيبي ليفني بالتخلي عن تاريخنا، وبالاعتراف بإسرائيل موطناً للشعب اليهودي، وحين يقرر الرئيس بوش حدودنا وحقوقنا بدلاً منا.
وبالتالي، ثمة شعور متنامٍ بأن إمكان حل الدولتين ينزلق بعيداً، وربما يكون وصل إلى نقطة اللارجوع. وهذا، وفق مجريات الأمور، يبدو أكثر دقة من الافتراض المتفائل أن في الإمكان التوصل إلى اتفاق عملاني في شأن الوضع النهائي خلال الستة أشهر أو السنة المقبلتين، أو من الإيمان الأعمى بأن قيامه في النهاية حتمية تاريخية.
ومع ذلك فإن حل الدولتين لا يزال الأفضل بين الخيارات السيئة المطروحة لحل الصراع، ولا يزال البرنامج الوطني للسلطة الفلسطينية/منظمة التحرير الفلسطينية يستحق دعم الأكثرية الفلسطينية (حتى لو كان مهترئاً في حواشيه). وربما تكون السلطة الفلسطينية ما زالت قادرة على إدارة حملتها التفاوضية بكرامة وجدارة، ودحض جميع المشككين فيها وتعطيل معارضيها، حرفياً ومجازياً.
إن السلطة الفلسطينية تستحق فعلاً كل ذرة دعم للوصول إلى اتفاق مع إسرائيل يحمل في طياته دولة فلسطينية قابلة للحياة، ودائمة، وقادرة على الدفاع عن نفسها، وسيدة حقاً، تكون عاصمتها القدس الشرقية، وتطرح حلاً عادلاً ومقبولاً لمشكلة اللاجئين.
وتستحق السلطة الفلسطينية أيضاً، كل ذرة دعم في السعي للانعتاق من الصيغة العقابية التي يتم دفعها إليها. وإذا حدث ذلك، فإنه سيكون إنجازاً تاريخياً من الطراز الأول يخدم الفلسطينيين والإسرائيليين وشعوب المنطقة كافة.
لكن علينا أن ندرك أن هذا قد لا يحدث، فربما تفشل السلطة الفلسطينية وإسرائيل في الوصول إلى صيغة تسوية مقبولة، أو ربما يفشل أحدهما أو كلاهما في إقرار الاتفاق أو تنفيذه أو إدامته. ولا يستطيع أي من الطرفين توقع الأفضل واستبعاد إمكان حصول الأسوأ، فحدوث هذا أو ذاك ممكن، بل مرجح. باختصار، نحن بحاجة إلى خطة بديلة.
إن نمط الفصل العنصري آخذ في السيطرة على النزاع، وتوسعه في الضفة الغربية وتعززه فيها هو بديل ممكن آخر. كما أن ثمة أشكالاً جديدة ومتنوعة من الترحيل السكاني تمارسه إسرائيل، أو ما هو أسوأ، هناك أشكال جديدة وغير مسبوقة من العنف الأهلي أو العنف غير التقليدي. ويجب عدم تجاهل التأثير الممكن لفشل محادثات الوضع النهائي في مستقبل مواطني إسرائيل العرب وتطلعاتهم، وفي الدول المجاورة كالأردن ولبنان. هذا كله يدعو إلى التفكير الجدي في البدائل وشبكات الأمان في حال الفشل الذريع وحتى المتدرج. إن الدعوات إلى دولة واحدة، أو دولة ثنائية القومية، تبدو في أحسن أحوالها سابقة لأوانها، وهي مخالفة للمزاج الوطني في الجانبين. لكن ربما يكون هناك مجال لاختبار أشكال أُخرى من العلاقة بين العرب واليهود في فلسطين/إسرائيل، مبنية على نماذج متعددة للمشاركة، وعلى المساواة والتعايش. ولا سبب يدعو إلى استبعاد الإمكانات المباشرة التي تتضمن مفاهيم فدرالية أو كونفدرالية كجزء من إعادة التفكير في تاريخنا المشترك.
لكن بغض النظر عن كيفية نشوء هذه النماذج ومتى (وبأي تكلفة)، على الفلسطينيين أن يواجهوا مسائل تبدو أكثر إلحاحاً اليوم.
فبينما الأوضاع الضاغطة الحالية تغشى آفاق الفلسطينيين، لا بديل من إعادة إحياء روحنا الوطنية، أولاً وقبل كل شيء، بتجاهلنا سياسات الإقصاء المتبادل والاستئصال. فالضرورة الأولى هي صوغ ميثاق جديد بين "حماس" و"فتح"، وتحديد الأساس المشترك لبرنامج وطني جديد. وفي هذا الصدد، يجب تشجيع قيادة السلطة الفلسطينية/منظمة التحرير الفلسطينية على المبادرة إلى إعادة "حماس" إلى الإطار الوطني الجامع، وعلى مطالبة السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية بالنهوض بمسؤوليات قيادة الشعب الفلسطيني كله، لا شريحة مختارة منه فقط. ومن دون ذلك لا مفاوضات مثمرة ولا تسوية نهائية ولا نظام حكم فلسطيني مستقر.
إن ذلك شرطاً لا بد منه لكبح تأكّل هويتنا الوطنية وإرادتنا وتصميمنا الهادف. إذ لا يكفي استنهاض شعور الفلسطيني بأنه ضحية، أو التلطي وراء عدم توازن القوى الفادح المزمن، وإجحاف النظام الدولي، وإغفال خصمنا التاريخي لحيوات الفلسطينيين وحقوقهم، بل يجب أن نتغلب على ثقافة الدونية المزمنة، والشكوى الدائمة، والعنف غير الموجه تجاه أنفسنا والآخرين، واستسهال توقع العون من المجتمع الدولي.
لا مفر من تداخل مصير العرب واليهود في أرض فلسطين التاريخية. وكما أن على الإسرائيليين الاعتراف بمسؤوليتهم الضخمة عن المحنة الفلسطينية في الماضي والحاضر، كذلك على الفلسطينيين أن يتخذوا الخطوات اللازمة لإعادة وصل ما انقطع بين الضفة وغزة، ولعكس مسار انزلاقهم نحو التحلل واليأس، ولاستعادة الشعور بأنهم أسياد قدرهم أيضاً.
* عن مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 19، عدد 74 (ربيع/صيف 2008)
----------
(*) هذه المقالة هي المحاضرة السنوية الثالثة إحياءً لذكرى هشام شرابي، وقد ألقيت في مركز فلسطين في واشنطن العاصمة، بتاريخ 10 نيسان/أبريل 2008. وهي تعبر، شأنها شأن بقية المقالات التي تُنشر في المجلة (مجلة الدراسات الفلسطينية)، عن وجهة نظر كاتبها فقط. وتأمل هيئة التحرير بأن تكون هذه المقالة فاتحة نقاش في شأن الوضع الفلسطيني الراهن والمخاطر التي تتهدد الشعب والقضية في حال استمراره، وستعمل الهيئة على تحقيق ذلك. وفي هذه الأثناء، فإنها ترحب بأي تعقيب على المقالة، سواء أكان متفقاً معها في الرأي أم مخالفاً له، وبأي مساهمة جدية في تحليل الوضع وأبعاده العربية والدولية، والحلول الممكنة أو المرغوب فيها. (*) حاولت أنا وحسين آغا أن نتعامل مع هذه المسألة مطولاً في مؤلفنا Framework for a Palestinian National Security Doctrine (إطار لعقيدة فلسطينية وطنية أمنية).
العودة
|