كان ذلك صباح يوم الجمعة السابع من تموز عام 2000، وكنت علىموعد مع الرئيس الشهيد ياسر عرفات في مقر اقامته في المقاطعة في رام الله عشية سفره الى كامب ديفيد التي كان من المقرر ان يصلها خلال يومين او ثلاثة. اصطحبت معي الى اللقاء بعد موافقة الرئيس على ذلك، - الدكتور محمد مصلح استاذ العلوم السياسية والدراسات الشرق اوسطية في جامعة لونج ايلاند في نيويورك والذي كان يعمل زميلا لي في مركز البحوث الدراسات الفلسطينية بنابلس كمستشار اكاديمي. وبينما كنا نجلس في مكتب ابو السعود مدير العلاقات العامة في مكتب الرئيس رأينا القنصل الاميركي في القدس جون هيربست يخرج من مكتب الرئيس مكفهر الوجه. وما هي الا هنيهة حتى دخل علينا ابو السعود قائلا: الرئيس بانتظاركم. وتوجهنا نحو مكتب الرئيس واذا بالأخ ياسر عبد ربه - عضو اللجنة التنفيدية -يخرج من عنده ليفاجئني بالقول: »ان الرئيس في حالة غضب شديد. اعانك الله على هذا اللقاء ودخلت. كان من عادة الرئيس ابو عمار رحمه الله ان يستقبلني - انا وكثيرين غيري - بالعناق والابتسام واحيانا بالممازحة، ولكنه هذه المرة لم ينهض عن كرسيه واشار اليّ بالجلوس. ووجدت من المناسب ان اعرفه بالدكتور محمد مصلح فأجاب بأنني سبق وان عرفته عليه في نابلس منذ اكثر من عام وتأثرت بقوة ذاكرته. وبدون اية مقدمات وجه الي سؤالا مباشرا: هل قابلت القنصل الاميركي في الممر. قلت اجل رأيته يخرج من عندك. واذا به يقول بنبرة غاضبة وصوت مرتفع: »انه يريدني ان ابيع القدس تصور!! هؤلاء المجانين يتوقعون مني ان ابيع القدس، ان اتنازل عن القدس - ان انسى المسجد الاقصى وكنيسة القيامة. انهم اغبياء هل يتوقعون من ياسر عرفات الذي امضى عمره يدافع عن القدس وعن فلسطين ان يتنازل عن شبر واحد في القدس انهم واهمون. انهم يحلمون«. وهدأ قليلا ثم اردف قائلا :«انهم مستعجلون لعقد هذه القمة دون ادنى تحضير. ان باراك يريد ان يتهرب من الالتزام الاسرائيلي المتعلق بتنفيذ المرحلة الثالثة من اعادة الانتشار الاسرائيلي. انه يريد القفز نحو المرحلة النهائية للتهرب من معظم القضايا المتعلقة بالمرحلة الانتقالية واهمها التزامه بنقل القرى العربية الثلاثة المحيطة بالقدس الى السيادة الفلسطينية وهي ابوديس والعيزرية والرام ليجعلها اوراق مساومة في القمة. ثم هل يمكن حل كل المشاكل المتعلقة في الوضع النهائي دون تحضير كاف؟ اذا كان باراك غير قادر على تنفيذ وعده بنقل هذه القرى الثلاثة الى السيادة الفلسطينية فكيف سينفذ وعده بالنسبة للقضايا الكبيرة الخاصة بالوضع النهائي؟؟ وصمت ابو عمار ثم عادت اليه ثورة الغضب؟ انهم اثنان ضد واحد. باراك وكلينتون ضدي. هذا ظلم وافتراء وغير مقبول حاولت كثيرا تأجيل هذه القمة والتحضير لها بصورة كافية ولكن باراك مستعجل ولن يخدعني«. ثم التفت نحو الدكتور مصلح ليسأله ما هي الاجواء في اميركا؟ اجابه الدكتور مصلح بأن كلينتون والحزب الديمقراطي على ابواب الانتخابات الرئاسية الاميركية القريبة وهم بحاجة لاصوات اليهود واموالهم ونفوذهم ولذلك فإنه يوافق ابو عمار الرأي بأن كلينتون سيكون داعماً لباراك في هذه القمة. ثم وجه نصيحة لابو عمار الا يرفض صراحة اي اقتراح اميركي في القمة اذا عقدت بل يرد على ذلك الاقتراح بإقتراح مضاد بحيث لا يظهر انه المتسبب في فشل هذه القمة. ليس من عادة الرئيس عرفات ان يستشير احداً بشكل مباشر ولكنه هذه المرة التفت الي وسألني » وانت ما رأيك«؟ قلت له بإختصار ان الجميع يتفق على ان الاوضاع العربية في غاية السوء وانك ستجد نفسك وحيداً في كامب ديفيد وان الاخوة العرب لهم اولويات اخرى. وتذكرت جلسة في الرياض مع المرحوم الحاج امين الحسيني حين جاء رداً على زيارة المرحوم والدي له عام 1968. أذكر يومها اني سألته عن مستقبل القضية الفلسطينية. اجابني وقتها »ان الامة العربية قد هجعت ولا ادري متى تستيقظ، واعتقد ان ذلك سيحتاج الى خمسين عاماً على الاقل«. حدق ابو عمار في وجهي وسأل »هل فعلاً حدد الحاج امين المدة بخمسين عاماً ؟« اجبته: اجل قال : يا ريت.. يا ريت«. وبعد فترة قليلة من الصمت استأذنت ابا عمار ان اسرد ملاحظتين فأجاب »هات ما عندك«. قلت ان المترجم الرسمي للبيت الابيض وللرئيس كلينتون هو جمال هلال وهو جزء من صناعة القرار الاميركي في الشرق الاوسط واخشى ان يتلاعب بالترجمة...»وهنا قاطعني ابو عمار« لا تخف، معي صائب » واضاف متسائلاً؟ وما هي الملاحظة الثانية؟« اجبت انه سيكون في وفدنا الى كامب ديفيد شخصان انا لا اشك اطلاقاً في وطنيتهما ولكن علاقتهما المميزة مع الامريكان ستجعل الامريكان يستغلون تلك العلاقة لتمرير بعض الافكار الخاصة بهم من خلال اقناعهما بأن ذلك في مصلحة فلسطين واخشى ان يفعلا ذلك ببراءة،«. وسأل »من هذان الشخصان؟ قلت فلان وفلان، ولم يعلق. وقفنا وهممنا بالاستئذان ولكن ابو عمار طلب منا الجلوس، واخرج ورقة من ملف كان على يمين طاولته وقال لي » اقرأ هذه الورقة«. اخذتها بلهفة وقرأت ما اصابني بالذهول. كانت عبارة عن تقرير من المخابرات العسكرية الفلسطينية تحذر عن عملية جاهزة لاغتيال ابو عمار عن طريق عميل للموساد يكون ملتحياً لاعطاء انطباع بأن القاتل هو من التيار الاسلامي بغية احداث فتنة في الساحة الفلسطينية والعربية لا تبقى ولا تذر. مررت الورقة للدكتور مصلح حسب اشارة من ابو عمار الذي قال بهدوء واصرار» يريدون قتلي سياسياً في كامب ديفيد ويهيئون المسرح الان لاغتيالي والخلاص مني. ولكنهم لا يعلمون اني لن ابيع القدس ولو صلبوني. لن اتنازل عن حقوق شعبي ولن اتنازل عن القدس وليكن ما يكون«. ودعنا الرئيس وغادرنا المقر. وكان التوجس مما سيأتي يسيطر على تفكيرنا. لم نتكلم مع بعضنا الى ان رن هاتفي الخليوي واذ بالدكتور رمزي خوري مدير مكتب الرئيس يسألني ان الرئيس يريد ان يتأكد من اسمي الشخصين اللذين ذكرتهما له. فكررت الاسمين واقفلت السماعة وبعد يومين غادر الرئيس الى كامب ديفيد، وكان ما كان. . بقلم: سعيد مصباح كنعان مستشار الرئيس عرفات عضو المجلس الوطني الفلسطيني